الحكيم الترمذي

76

غور الأمور

بالآيات التي تشير ، الألف بما فيه إليه ، ويوقنوا بالمعاني التي تؤدى الألف عنها ، ويقروا بالصفات التي يدلهم الألف عليها ، فاستدلوا بوحدانية الألف على أن المسمى الذي الألف أسمه واحد أحد . واستدلوا بفرديته على أنه فرد ، واستدلوا بانتصابه واستقامته على أنه عدل قائم بالقسط ، واستدلوا بصموته على أنه صمد « 1 » ، واستدلوا بحرفيته على أنه وتر ، واستدلوا بنونه على الوصل والفصل على ديمومته وقدمه ، واستدلوا ببعده عن أن يشبه الأشكال على بونه وبعده عن الكيفية ومنتهى وحدوديته . فعرفوه بالصفات ، والآيات ، والبينات معرفة بلا كيفية ، ولا محدودية ، وأقروا له بالربوبية ، ولأنفسهم بالعبودية ، فأجابوه بثلاثة أحرف ، وهي الياء واللام والياء . فقالوا : بلى . فرضى عنهم ، وقبل منهم . وجعلهم في كنفه ثم صب عليهم النور ، وأشهدهم على أنفسهم ، وأشهد الملائكة بذلك عليهم ، وكفى باللّه شهيدا ، ولهذا غور بعيد لا يمكن استفراغه ، ولا استفحاصه ، ولكن في قدر ما وصفنا كفاية وهداية لمن له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد . وإنما أجابوه بلى ، ولم يجيبوه بنعم ، وبلى ثلاثة أحرف ونعم أيضا كمثله ثلاثة أحرف ، لأن في بلى ما ليس في نعم ، وفي نعم ما ليس في بلى ، وإن كانا في الحروف سواء لأنه ليس لنعم عند الاستفهام موضع ، ولا معنى . لأنه ليس في حروف نعم ما يكون جوابا للاستفهام ، ولهذا غور بعيد . لا يمكن وصفه ، ولكن سنشرح منه شيئا ليفهموه . إن الباء اسم يخرج منه اسمه البرّ ، والبر ، والرب واحد

--> ( 1 ) الصمد : الذي يصمد إليه في الحاجات والصمد هو السيد المحتاج إليه في النوازل والحوائج وقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير : الصمد المصمت الذي لا جو له .